عماد الدين خليل
32
المستشرقون والسيرة النبوية
الأحداث وتعلّق عليها ( بعد وقوعها ) ، إلا أنه بمجموعه كمبدأ « أيديولوجيّة » لا يخرج عن نطاق كونه برنامجا إلهيا شاملا ترتبط ممارساته الجزئية بكليّات شاملة محددة سلفا في علم اللّه . . ومن ثم فإن ( الظروف الراهنة ) ليست هي الحتمية المؤقتة التي تحدد مسار الإسلام وخطا رسوله صلى اللّه عليه وسلم . إنما هناك ( الهدف ) الذي يفرض أحيانا ( وقفة ) ضد الأعراف والظروف ( وتمرّدا ) عليها ، و ( انقلابا ) شاملا على مواضعاتها . وهذا ما يبدو واضحا منذ أول لحظة في الشعار الحاسم الذي طرحه الرسول صلى اللّه عليه وسلم بوجه الجاهلية ( لا إله إلا اللّه ) ، فأيّ ظرف راهن موقوت ، أوحى بهذا الشعار الانقلابي الشامل الذي جاء يدمر على الوجود الجاهلي جلّ قيمه وأهدافه ومعالمه ومفاهيمه وعاداته وتقاليده ؟ . إن توماس أرنولد يشير إلى ذلك بوضوح عندما يقول : « لا يعزب عن البال كيف ظهر جليا أن الإسلام حركة حديثة العهد في بلاد العرب الوثنيّة ، وكيف كانت تتعارض المثل العليا في هذين المجتمعين تعارضا تاما . ذلك أن دخول الإسلام في المجتمع العربي لم يدلّ على مجرّد القضاء على قليل من عادات بربرية وحشية فحسب ، وإنما كان انقلابا كاملا لمثل الحياة التي كانت من قبل . . والواقع أن المبادئ الأساسية في دعوة محمد كانت تتعارض مع ما كان ينظر إليه العرب نظرة ملؤها التقدير والإجلال ، حتى ذلك الحين ، كما أنها كانت تعلم حديثي العهد بالإسلام بأن يعدّو من الفضائل صفات كانوا قبل إسلامهم ينظرون إليها نظرة الاحتقار » « 1 » . إن القرآن الكريم كان قضية فوقية جاءت آياته لتقود الإنسان في كل زمان ومكان إلى عصر جديد ، ولم يكن ينفعل انفعالا مؤقتا بالوضع السائد سلبا وإيجابا ، كما يتصوّر معظم المستشرقين مسيحيّين وماديّين ( كما سنرى ) ،
--> ( 1 ) المرجع السابق نفسه ، ص 21 - 62 ؛ وانظر بالتفصيل : جولد زيهر في مؤلفه : muhammedanishe stidien , v . l , 1